القرطبي

94

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والطير يذكر ويؤنث . ( فأنفخ فيه ) أي في الواحد منه أو منها أو في الطين فيكون طائرا . وطائر وطير مثل تاجر وتجر . قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى . وقيل : لم يخلق غير الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ليكون أبلغ في القدرة لان لها ثديا وأسنانا وأذنا ، وهي تحيض وتطهر وتلد . ويقال : إنما طلبوا خلق خفاش لأنه أعجب من سائر الخلق ، ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور ، فيكون له الضرع يخرج منه اللبن ، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين : بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدا ، ويضحك كما يضحك الانسان ، ويحيض كما تحيض المرأة . ويقال : إن سؤالهم كان له على وجه التعنت فقالوا : أخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن كنت صادقا في مقالتك ، فأخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله ، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله . وقوله تعالى : ( وأبرى الأكمة والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله ) الأكمة : الذي يولد أعمى ، عن ابن عباس . وكذا قال أبو عبيدة قال : هو الذي يولد أعمى ، وأنشد لرؤبة : * فارتد ارتداد الأكمه * وقال ابن فارس : الكمه العمى يولد به الانسان وقد يعرض . قال سويد : * كمهت عيناه حتى ابيضتا مجاهد : هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل . عكرمة : هو الأعمش ، ولكنه في اللغة العمى ، يقال كمه يكمه كمها وكمهتها أنا إذا أعميتها . والبرص معروف وهو بياض يعتري الجلد ، والأبرص القمر ، وسام أبرص معروف ، ويجمع على الأبارص . وخص هذان بالذكر لأنهما عياءان . وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطب فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك ( وأحيي الموتى بإذن الله ) قيل : أحيا أربعة أنفس : العاذر : وكان صديقا له ، وابن العجوز